حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

162

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

[ التوبة : 61 ] وتكون اللام إشارة إلى الذين كفروا لما ذكرهم ، ولا يجوز أن تكون « من » موصوفة إذ ذاك ، لأن فائدة الكلام تعود إلى الوصف أيضا ، ولكن لا يجاوبه نظم الكلام إذ يصير المعنى أن من المختوم على قلوبهم طائفة يقولون كيت وكيت وما هم بمؤمنين . ومن البين أن مدلول قوله « وما هم بمؤمنين » معلوم من حال المطبوع على قلوبهم فيقع ذكره ضائعا ، والضمير العائد إلى « من » يكون موحدا تارة باعتبار اللفظ نحو وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً [ الأنعام : 25 ] ومجموعا أخرى باعتبار المعنى مثل وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ [ يونس : 42 ] وقد اجتمع الاعتباران في الآية في « يقول » و « آمنا » . وإنما اختص بالذكر الإيمان باللّه والإيمان باليوم الآخر لأنهما قطرا الإيمان ، ومن أحاط بهما فقد حاز الإيمان بحذافيره . وفي تكرير الباء إيذان بأنهم ادعوا كل واحد من الإيمانين على صفة الصحة والاستحكام . فإن قلت : إن كان هؤلاء المنافقون من المشركين فظاهر عدم إيمانهم باللّه واليوم الآخر ، وإن كانوا من اليهود فكيف يصح ذلك ؟ قلت : إيمان اليهود باللّه ليس بإيمان لقولهم « عزير ابن اللّه » وكذلك إيمانهم باليوم الآخر لأنهم يعتقدونه على خلاف صفته . فقولهم هذا لو صدر عنهم لا على وجه النفاق بل على عقيدتهم فهو كفر لا إيمان . فإذا قالوه على وجه النفاق خديعة واستهزاء وتخييلا للمسلمين أنهم مثلهم في الإيمان الحقيقي كان خبثا إلى خبث وكفرا إلى كفر . والمراد باليوم الآخر إما طرف الأبد الذي لا ينقطع لأنه متأخر عن الأوقات المنقضية ، أو الوقت المحدود من النشور إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ، لأنه آخر الأوقات المحدودة التي لا حد للوقت بعده . فإن قلت : كيف طابق قوله « وما هم بمؤمنين » قولهم « آمنا » والأول في ذكر شأن الفعل لا الفاعل ، والثاني بالعكس ؟ قلت : لما أتوا بالجملة الفعلية ليكون معناها أحدثنا الدخول في الإيمان لتروج دعواهم الكاذبة ، جيء بالجملة الاسمية ليفيد نفي ما انتحلوا إثباته لأنفسهم على سبيل البت والقطع وأنهم ليس لهم استئهال أن يكونوا طائفة من طوائف المؤمنين ، فكان هذا أوكد وأبلغ من أن يقال : إنهم لم يؤمنوا . ونظير الآية قوله تعالى يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها [ البقرة : 167 ] . ثم إن قوله « وما هم بمؤمنين » يحتمل أن يكون مقيدا وترك لدلالة التقييد في « آمنا » . ويحتمل الإطلاق أي أنهم ليسوا من الإيمان في شيء قط ، لا من الإيمان باللّه وباليوم الآخر ولا من الإيمان بغيرهما . البحث الثاني : في قوله يُخادِعُونَ اللَّهَ إلى يَكْذِبُونَ . اعلم أن اللّه ذكر من قبائح أفعال المنافقين أربعة أشياء : أحدها المخادعة وأصلها